مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

أحتاج برهة لألتقط أنفاسي… الحياة تمر، وأنا أريد منها لحظات لم أعشها بعد..!!

يرن المنبه. أمد يدي نحوه قبل أن أفتح عيني تمامًا. نظرة سريعة إلى الساعة، ثم الهاتف. رسالة لم أرد عليها، موعد يجب ألا أنساه، عمل ينتظر، مكالمة مؤجلة، خبر يحتاج إلى قراءة، فاتورة، مهمة، هدف، وشيء آخر كان من المفترض أن أنجزه بالأمس.

أنهض من فراشي، لكن عقلي يكون قد سبقني منذ دقائق. وفي الطريق، أركض. ليس بالضرورة بقدمي. قد أكون جالسة خلف مقود سيارتي، أو أحتسي قهوتي في هدوء ظاهري، بينما يدور في رأسي سباق كامل لا يراه أحد. ماذا سأفعل اليوم؟ ماذا لم أفعل بالأمس؟ ماذا يجب أن أنتهي منه غدًا؟ وما الذي سيحدث إن تأخرت؟

يمضي اليوم. تتحول الساعة إلى ساعتين، والساعتان إلى مساء، والمساء إلى ليلة. ثم يسقط جسدي أخيرًا على السرير، لكن عقلي لا يزال واقفًا، كأن أحدًا نسي أن يخبره بأن اليوم انتهى.

وفي لحظة نادرة من الصمت، تخرج جملة صغيرة من داخلي: أحتاج برهة لألتقط أنفاسي.

ليس لأنني أكره العمل، ولا لأنني فقدت الطموح، ولا لأنني أريد الهرب من مسؤولياتي، بل لأنني أريد، ولو لبعض الوقت، أن أشعر بأنني أعيش حياتي بدلًا من أن أديرها فقط.

أريد صباحًا لا يبدأ بقائمة مهام. فنجان قهوة لا أشربه وأنا أحدق في شاشة. طريقًا لا أفكر طواله في المكان الذي سأصل إليه. أغنية أسمعها حتى نهايتها دون أن أفتح تطبيقًا آخر في منتصفها. جلسة طويلة أمام البحر لا يحدث فيها شيء. لا صورة ضرورية، ولا منشور، ولا رسالة عاجلة، ولا إنجاز يمكن تسجيله في نهاية اليوم. فقط أنا، والبحر، وبعض الوقت الذي لا يطالبني بأن أبرر وجوده.

لكن الغريب أن الراحة نفسها أصبحت تحتاج إلى تبرير. إذا جلسنا طويلًا، شعرنا أننا نهدر الوقت. إذا نمنا أكثر، شعرنا بالكسل. وإذا أخذنا إجازة، بدأ جزء خفي داخلنا يعد الأيام التي “ضاعت”.

حتى عندما نسافر بحثًا عن الراحة، نحول الرحلة أحيانًا إلى مشروع آخر. يجب أن نزور هذا المكان، ونلتقط الصورة هنا، ونجرب المطعم هناك، ونستيقظ مبكرًا حتى لا يضيع اليوم. ثم نعود من الإجازة ونحن نحتاج إلى إجازة من الإجازة، كأننا لم نعد نعرف كيف نفعل شيئًا دون أن نحوله إلى مهمة.

حتى الاستمتاع. نريد أن نستمتع بكفاءة. أن نقرأ عددًا أكبر من الكتب، ونزور عددًا أكبر من المدن، ونشاهد عددًا أكبر من الأفلام، ونتعلم لغة، ونمارس الرياضة، ونطور أنفسنا، ونستثمر وقتنا.

حتى الهواية البسيطة لم يعد مسموحًا لها دائمًا أن تبقى هواية. ترسم جيدًا؟ لماذا لا تبيع لوحاتك؟ تكتب؟ لماذا لا تحول الكتابة إلى عمل؟ تطبخ؟ لماذا لا تفتح مشروعًا؟ تقرأ كثيرًا؟ لماذا لا تصنع محتوى عن الكتب؟

وكأن كل شيء نحبه مطالب في النهاية بأن يقدم كشف حساب يثبت أنه كان مفيدًا.

لكن ماذا لو كانت بعض الأشياء الجميلة في الحياة لا تؤدي إلى أي مكان؟ ماذا لو كان يكفي أنها تجعل الطريق نفسه أجمل؟

ربما لا يحتاج كل مساء إلى إنجاز، ولا كل دقيقة إلى استثمار، ولا كل موهبة إلى مشروع، ولا كل رحلة إلى صور، ولا كل لحظة صمت إلى هاتف نملؤها به.

هناك أشياء قيمتها الوحيدة أنها حدثت. ضحكة طويلة مع شخص نحبه، شمس شتوية دخلت من النافذة، رائحة قهوة في صباح هادئ، أغنية قديمة أعادت ذكرى لم نكن نبحث عنها، نزهة بلا وجهة، أو حديث امتد حتى منتصف الليل. وربما كتاب أغلقناه للحظة لأن جملة فيه جعلتنا ننظر إلى السقف ونفكر.

قد تكون لحظات صغيرة جدًا. لا تصلح للسيرة الذاتية، ولا ترفع الراتب، ولا تضيف شهادة إلى الحائط، ولا تجعل أحدًا يقول إننا أصبحنا أكثر نجاحًا. ومع ذلك، ربما تكون هي الأشياء التي سنكتشف في النهاية أنها كانت حياتنا فعلًا.

فنحن نعيش بطريقة غريبة. نقضي سنوات الطفولة نريد أن نكبر، ثم نكبر فنريد أن ننتهي من الدراسة، وعندما ننتهي منها نريد العمل. نعمل فننتظر الترقية، ونحصل عليها فنبحث عن التالية. ننتظر نهاية الأسبوع، ثم الإجازة، ثم المناسبة، ثم الصيف، ثم العام القادم.

ودائمًا توجد نقطة في المستقبل نقنع أنفسنا بأن الحياة الحقيقية ستبدأ عندها: “عندما أنتهي من هذا فقط”.

لكن “هذا” لا ينتهي. يتغير اسمه فحسب. ينتهي امتحان فيأتي غيره، وتنتهي أزمة فتظهر مسؤولية، ونصل إلى هدف فنرى هدفًا أبعد منه.

وهكذا قد يمضي العمر كله ونحن نستعد للحياة، دون أن نلاحظ أنها كانت تحدث أثناء استعدادنا لها.

وربما لهذا أصبحت لدي رغبة مختلفة. لا أريد أن أصل إلى نهاية الطريق بأسرع ما يمكن، بل أريد أن أرى الطريق. أن أنتبه للأشجار التي أمر بجوارها كل يوم ولا أنظر إليها، وأن أرفع رأسي إلى السماء أحيانًا دون سبب، وأن أجلس مع من أحب دون أن أضع الهاتف بيننا كضيف ثالث، وأن أترك نافذة السيارة مفتوحة فقط لأن الهواء جميل، وأن أمشي أبطأ قليلًا، وأن أسمح لنفسي أحيانًا بألا أفعل شيئًا.

وهذه الأخيرة تحديدًا أصبحت مهارة نادرة: أن أجلس فقط، دون أن أمسك الهاتف بعد عشر ثوان، ودون موسيقى، ودون فيديو يعمل في الخلفية، ودون أن أسأل نفسي ماذا ينبغي أن أفعل بعد قليل.

في البداية، قد يبدو الصمت ثقيلًا. ثم، شيئًا فشيئًا، أبدأ في سماع أشياء اختفت وسط الضوضاء: صوت الشارع من بعيد، حركة الهواء، دقات الساعة، وربما أنفاسي. وأفكاري أنا، لا الأفكار التي يقذفها إلي العالم طوال اليوم.

وربما لهذا نحتاج أحيانًا إلى شيء يشبه التأمل. لا باعتباره طقسًا غامضًا، ولا وسيلة أخرى نضيفها إلى قائمة الأشياء التي يجب أن نتقنها، وإنما باعتباره فعلًا بسيطًا جدًا: أن ننتبه، وأن نكون موجودين بالكامل في اللحظة التي نعيشها.

فالمشكلة ليست أن أيامنا قصيرة فقط، بل إن كثيرًا منها يمر ونحن في مكان آخر. الجسد في العشاء، والعقل في الغد. الجسد في الرحلة، والعقل في العمل. الجسد أمام شخص نحبه، والعين على الهاتف. الجسد في الحاضر، والعقل إما يعيد محاكمة الأمس أو يتفاوض مع المستقبل.

ثم نتساءل: كيف مرت السنوات بهذه السرعة؟

ربما لأنها مرت بينما كنا ننظر بعيدًا عنها.

لذلك أحتاج برهة. ليس انسحابًا من الحياة، بل عودة إليها. أحتاج أن أتوقف قليلًا حتى لا تصبح الأيام مجرد صفحات أقلبها بسرعة لأعرف ماذا سيحدث في الصفحة التالية.

أريد أن أتعلم من جديد أن الوقت ليس شيئًا يجب أن أهزمه، وأن الراحة ليست مكافأة أحصل عليها فقط بعد أن أنهار، وأن قيمتي لا تقاس بعدد الأشياء التي أنجزتها قبل أن أنام.

وأن الحياة لا تتكون فقط من المحطات الكبيرة التي ننتظرها. فبين ميلاد ونجاح وزواج وسفر وترقية وحلم كبير يتحقق، توجد آلاف الأيام العادية. صباحات عادية، وجبات عادية، طرقات عادية، أحاديث عادية، وأشخاص نظن أنهم سيبقون حولنا دائمًا.

ثم يأتي يوم نفهم فيه أن “العادي” لم يكن الفراغ بين الأحداث المهمة، بل كان هو الحياة.

ومع ذلك، لا أريد أن أكتفي بما عشته. ففي داخلي رغبة في لحظات لم أصل إليها بعد. أماكن لم أرها، طرقات لم أمش فيها، أحاديث لم تحدث، ضحكات لم أضحكها بعد، صباحات جديدة لا أعرف كيف ستبدأ، وأشخاص قد تضعهم الحياة في طريقي دون موعد.

أريد أن أترك في أيامي مساحة للمفاجأة. ألا أعيش فقط على ذكريات جميلة مضت، ولا على خطط مؤجلة للمستقبل، بل أن أظل شغوفة بما لم يحدث بعد.

فالحياة ليست ما أنجزناه فقط، ولا ما فقدناه، ولا ما ننتظره. إنها أيضًا تلك اللحظات التي لم تصل بعد، لكنها تستحق أن نمنحها فرصة.

ولهذا ربما لا أحتاج إلى حياة أخرى، ولا إلى وقت أكثر، ولا إلى الهرب بعيدًا عن كل شيء. ربما أحتاج فقط إلى ألا أمر بجوار حياتي بهذه السرعة. أن أتوقف من حين إلى آخر، وأن أنظر حولي، وأن أتنفس بعمق، وأن أقول للعالم، دون خوف أو شعور بالذنب: تمهل قليلًا.

لن أتأخر عن حياتي إذا جلست اليوم تحت الشمس. لن ينهار مستقبلي لأنني أغلقت هاتفي ساعة. لن أصبح أقل طموحًا لأنني اخترت مساءً بلا أهداف. ولست مضطرة إلى الركض في كل لحظة حتى أثبت أنني أتقدم.

فبعض المسافات لا نقطعها حين نسرع، بل حين نتوقف.

وحين يأتي المساء، وتبدأ الشمس في الانسحاب ببطء، ربما يكون أجمل ما يمكن أن أفعله ألا أفعل شيئًا على الإطلاق.

أجلس، وأنظر إليها وهي تغيب، وأترك هذا اليوم يمر أمامي للمرة الأولى، بدلًا من أن أمر أنا أمامه. ثم أرفع عيني إلى الطريق الممتد بعد الغروب.

هناك لحظات لم أعشها بعد، وأماكن لا أعرف أسماءها، ووجوه لم أقابلها، وضحكات لم أعرف سببها بعد، وأيام ستأتي محملة بأشياء لا أعرف عنها شيئًا الآن.

لا أعرف متى ستصل تلك اللحظات، ولا كيف ستبدو، لكنني أعرف شيئًا واحدًا: أريد أن أكون حاضرة حين تصل.

فأنا لا أريد أن أصل إلى نهاية العمر لأكتشف أنني كنت ناجحة جدًا في إنجاز كل شيء… إلا أن أعيش.

لهذا أريد أن ألتقط أنفاسي الآن، لا لأتوقف عن الحياة، بل لأمنحها فرصة أن تمنحني ما لم أعشه بعد.